العدد ٢١٣, كانون اول ٢٠٠٧

ثقافة

معرض للفنان اسامة سعيد في طمرة
لوحات من الغربة

داني بن سمحون

الخروج من يافا

اختتم مؤخرا معرض "لوحات من الغربة" للفنان اسامة سعيد في صالة العرض البلدية بطمرة، بإشراف الفنان احمد كنعان. كانت هذه فرصة نادرة للاطلاع على ابداعات فنية ذات مضمون فلسطيني ونكهة اوروبية عالمية. سعيد، من مواليد نحف في الخمسين من العمر، عاد الى البلاد عام 1998 بعد ان قضى 16 عاما في المانيا، حصل فيها على اللقب الاول والثاني في الفنون بدرجة امتياز من المعهد العالي للفنون في برلين. كما حاز على منحة خاصة في المانيا مكّنته من التفرغ للابداع الفني لمدة عامين.

"لوحات من الغربة" هو المعرض الفردي الاول لسعيد في البلاد، بعد تسع سنوات من عودته. قبل ذلك عرض بشكل فردي في انحاء مختلفة من العالم منها المانيا، بلجيكا، فرنسا، الاردن، المغرب ونيويورك. كما وقّع على عقد مع دائرة الثقافة البرلينية لشراء لوحاته، كمنحة بعد مسابقة بين الفنانين المستقلين في برلين. وشارك في معارض جماعية في البلاد، بينها "حزوز البرتقال" في صالة العرض بام الفحم؛ "حاجز" في الصالة بطمرة؛ المعرض المتجول "الشرقية والعربية في الفن الاسرائيلي" الذي انتقل بين باقة الغربية، كفر قاسم، متسبيه رامون، البقيعة وريشون لتسيون؛ واخيرا شارك في معرض "خبز وورود" الذي نظمته جمعية معًا في كلية الفنون "منشار" بتل ابيب.

في طمرة عرض سعيد ثلاث مجموعات من اعماله، انجز معظمها في المانيا خلال الثمانينات، بوحي من الذاكرة والحنين والانطباعات الشخصية التي تركتها في نفسه الانتفاضة الاولى. لوحات الزيت الكبيرة الحجم تتميز بقوة في التعبير، يقول سعيد للصبّار: "فني هو نتاج الثقافة الاوروبية التي اكتسبتها في 16 عاما من مكوثي في المانيا". وعن سؤالنا ما الحاجة لعرض لوحات من الثمانينات، اجاب: "هذه اول فرصة تسنح لي بعد تسع سنوات، ان اعرض اعمالي من فترات مختلفة. في هذه الاعمال اقدم المواضيع التي تهمني، فانا لا ارسم الرسومات الجميلة، بل ارسم الواقع واجادل العلاقة بين الانسان والمجتمع وبين الانسان والبيئة".

منظِّم المعرض الفنان احمد كنعان قال للصبّار: "كان من الضروري عرض هذه اللوحات في بلادنا ايضا، خصوصا بسبب اسلوب الفنان التعبيري المميز، الذي نرى فيه تأثيرات التعبيرية الالمانية من فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. يبدو هذا واضحا في طريقة استعماله للألوان وضربات الفرشاة واختيار المواضيع. فرشاته تتجول بحرية على القماش، تاركة ضربات عريضة وخشنة أحيانا، تبتعد عن التفاصيل الدقيقة للجسد. لوحاته كبيرة الحجم نسبيا، بسبب حاجة الفنان لممارسة عملية الرسم بحرية. فهو يرسم وهو واقف، وبذلك يمارس حقه في التعبير عن افكاره من خلال حركات جسده ايضا".

المجموعة الثانية من اعماله رُسمت في اواخر الثمانينات، وهي تتطرق لوضع الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، ولحياة اللجوء التي فُرضت على ملايين الفلسطينيين. في لوحة الخروج من ميناء يافا، يمكنك ان ترى بداية اللجوء. الالوان القوية والحية لماء البحر والبيوت، تخفي القصة الحقيقية والوجع الكبير. هذا الوجع يظهر بشكل غير مباشر في اشكال غير واضحة تتفكك في الماء. ومع ان هذه الاشكال قريبة من المشاهد وكان المفروض ان تكون واضحة المعالم، الا انها ضبابية، تماما كما هو حال المشوار الطويل الذي خرج اليه اللاجئون ولم يعودوا منه بعد.

في عمل كبير الحجم يستخدم الفنان الالوان البنية وتقنية تفكيك الاشكال (مما يذكر بالفنان سيزان وبداية التكعيبية)، ليرسم عروسين في مركز اللوحة، وحولهما مجموعات من الهيئات، بعضها واقف، بعضها يمشي في اتجاه غير محدد. الانطباع الاولي مثير للبلبلة، لان زينة العرس موجودة ولكن الفرحة غائبة عن المكان. مكان الفرح يسيطر القلق وعدم اليقين بما يخبئه المستقبل للزوجين. يبدو هذا مجازا لوضع الشعب الفلسطيني الذي يحاول بكل قواه ان يحافظ على استمرارية الحياة والطقوس الاجتماعية، رغم الاحتلال، ولكن يبقى مصيره مجهولا.

مجموعة اخرى من اللوحات تطرح العلاقة بين الانسان والبيئة، التي تعتبر في رأي سعيد احد انعكاسات الاحتلال، يقول: "القضاء على البيئة التي نعيش فيها مرتبط ارتباط وثيقا بالعنف والاحتلال. ولا اقصد فقط اسرائيل، بل كل الدول الرأسمالية القوية التي تؤمن بان مبدأ الربح اسمى من بقية المبادئ، وباسمه تسمح لنفسها بالقضاء على مجتمعات كاملة واحتلال الدول والإضرار بالبيئة. هذا جزء من اللامبالاة التي يبديها الانسان الشبعان في الدول الصناعية المتطورة تجاه الآخر وتجاه البيئة".

"الاحتلال الاسرائيلي هو ترجمة محلية للرأسمالية الاقليمية، ودور اسرائيل ان تكون رأس الحربة في المنطقة الغنية بالنفط خدمةً لمصالح الغرب. هذا هو الواقع، حتى لو لم يدركه بعد الانسان البسيط الذي يصادرون ارضه او يقطعون اشجاره". في بعض اللوحات القوية ترى غابة من الاشجار المقطوعة. تقنية رسم طبقات غنية من الوان الزيت فوق بعضها البعض تقوي لدى المشاهد الاحساس بالجذوع المقطوعة كما لو كانت حقيقية، لدرجة تجعله "يسمع" صدى الصمت يدوي بعد "قطع" الحياة.

في المعرض مجموعة صغيرة من اللوحات التي أبدعها الفنان في السنوات الاخيرة. تنتقد هذه الاعمال المجتمع العربي وخاصة غياب حرية التعبير عن الرأي، التناقضات التي يعيشها المثقف العربي العصري، والصراع بين الحفاظ على التقاليد وبين الاندماج في الحياة العصرية في اسرائيل وخارجها.

"في سنوات وجودي هنا لم انتج الكثير. في الخارج كنت ارسم من الذاكرة وبتأثير حنيني العميق للبيت والعائلة والمجتمع الفلسطيني الذي بدا لي من هناك مثاليا. الآن وقد اصبحت اعيش في قلب المشكلة، اشعر اني دخلت الى نوع من الشلل. الواقع الذي اكتشفته كان مجتمعا ماديا، مشغولا ببقائه اليومي وقضاء حاجاته المادية. توقعت ان اجد بعض الروحانيات، الثقافة، الفِكر، ولكني وجدت اشخاصا هجروا المبادئ والعقيدة لاجل المادة والمال. خلافا للوضع في اوروبا التي تمكّن الفنانين من التفرغ لفنهم، اضطررت للبحث عن مصدر رزق من خلال تعليم الفن في عدة معاهد والعمل ساعات طويلة. كل هذا لا يسمح لي بالتفرغ للفن ولا يبقي لي وقتا للابداع".

عن سؤالنا اذا كانت قلة اهتمام الجمهور العربي بالفن نابعة من الوضع الاقتصادي الصعب، اجاب سعيد: "ليس بالضرورة، فالعرب الاغنياء هم ايضا بعيدون عن الثقافة، لا يقرؤون الكتب، لا يشاهدون المسرحيات ولا يزورون المعارض. معظم الناس يكتفون بالتلفزيون وبقراءة جريدة مرة في الاسبوع، مما يؤدي الى سطحية الفكر ويمس بالمجتمع على كل المستويات، بدءا بالتعليم والعلوم وانتهاء بالفن المعماري. هذه السطحية تمس بتطور مجتمع ثقافي صحي.

"صحيح ان هناك بعض الفنانين الذين يبدعون وينظمون المعارض، ولكن هذا متعلق بمبادرات شخصية. مؤسسات الدولة لا تدعم الفنانين العرب ولا تسعى لتطوير الثقافة المحلية، اما المجالس المحلية فتفتقر للميزانيات والامكانيات للقيام بهذا الدور. كان من حظي اني فزت مرتين بجائزة معلم-فنان، ولكن كم عدد الفنانين العرب الذين فازوا بهذا اللقب؟ افراد معدودون، هذا يجعل مواجهتنا للواقع امرا صعبا". "end"

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة