مشاكل في البنى التحتية تسبب اغراق الشوارع كل شتاء. تصوير: ركن مراد

كلمات للبحث

السلطات المحلية


العدد ٢١٣, كانون اول ٢٠٠٧

شؤون محلية

ازمة رسوم السلطات المحلية:
السكان يرفضون تمويل الفساد

سامية ناصر خطيب

قيام الحكومة بحل بعض السلطات العربية، أفزع بعض القيادات وأشعرها بجدية التهديد. على هذه الخلفية جاء نداء الناس الى دفع مستحقاتهم المالية للسلطات المحلية وعلى رأسها ضريبة "الارنونا". المشكلة ان نداء لجنة المتابعة للناس يأتي بعد ان تقطعت خيوط الثقة بين المواطن وسلطته.

قرية كفر مندا، حيث تم حل المجلس المحلي. تصوير: ركن مراد

كثيرة هي ازمات مجتمعنا العربي، يكللها الشلل العام في السلطات المحلية. فالاغلبية الساحقة من السلطات العربية تعجز عن دفع اجور موظفيها لعدة اشهر واحيانا لسنين، ولا تستطيع تقديم الخدمات الاساسية للمواطنين. وصلت الازمة الى درجة حل 15 من اصل 64 سلطة محلية عربية (أي 23%)، وتعيين رئيس لها من قبل وزارة الداخلية. واذا كانت السلطات المحلية في الماضي تعتبر مصدر قوة للجماهير العربية، بسبب الميزانيات الخاصة بها وصلاحية القرار بشأن انفاقها، فقد تحولت اليوم الى نقطة ضعف، تدل على عجز المؤسسات العربية عن ادارة شؤون الجماهير العربية بنفسها.

القرى العربية تحولت الى جيتو، ومنذ زمن توقف الناس عن الحلم. كل ما يرجوه السكان هو الا تُقطع المياه عنهم، وان يقوم المجلس بجمع القمامة، وكل ما سوى ذلك من مؤسسات ثقافية ورياضية وتربوية فصارت نوعا من الكماليات بعيدة المنال. في قرانا العربية تغلق المكتبات والنوادي، يتسكع الشبيبة في الشوارع ولا امل بغد افضل.

تعودت السلطات العربية على اتهام الحكومة بالعنصرية والتمييز ضدها في الميزانيات، وهذا صحيح. ولكن يبدو انه كان مريحا للقيادات ورؤساء السلطات المحلية العرب التمسك بهذا الخطاب على مدى سنين طوال، وتحميل الحكومة المسؤولية عن كل مصائبنا، وغض الطرف في نفس الوقت عن الفساد الداخلي عندنا الذي التهم الميزانيات "الشحيحة"، وادى الى عجز كبير ولفقدان الثقة بالسلطات.

اليوم تغير الخطاب فجأة. فبتاريخ 1/12 قامت قيادات الجماهير العربية الممثلة بلجنة المتابعة بتوزيع منشور يناشد الناس الى دفع مستحقاتهم المالية للسلطات المحلية وعلى رأسها ضريبة ما يسمى بالعبرية "الارنونا". واعتبر النداء "ان الايفاء بالالتزامات المالية نحو السلطات المحلية هو موقف وطني وواجب مدني"، لا اقل. والسؤال ما الذي احدث هذا التغيير؟

لقد موّلت الحكومة الاسرائيلية فساد الكثير من السلطات المحلية العربية لفترات طويلة، مقابل شراء الولاء السياسي وحتى الاصوات للاحزاب الحاكمة. ولكن الحكومة لاسباب اقتصادية وغيرها قررت ان الحفلة انتهت وأعلنت الحرب على كل السلطات المحلية ذات العجز الكبير، وخاصة العربية منها. المطلب الحكومي اليوم هو تنفيذ خطط اشفاء تشمل تقليص عدد العمال والموظفين، والتشديد على تسديد الديون المترتبة على السكان لعدة سنوات. ومن يتخلف عن تنفيذ المطلوب سيكون مصيره حل مجلسه وعزله عن منصبه واستبداله بلجنة معينة.

النتيجة كانت فورية. فقد قام العديد من السلطات المحلية بقطع الماء عن السكان، كعقاب جماعي الى حين يتم تسديد الرسوم ولم يسلم من ذلك حتى من سدد مستحقاته. الخطوة التالية كانت الاستنجاد بشركات الجباية الخاصة لاجبار السكان على دفع ديونهم لضريبة الارنونا.

ويبدو ان قيام الحكومة بحل بعض السلطات العربية، قد أفزع قيادات المجالس الاخرى وأشعرها بجدية التهديد، ومن هنا جاء التغيير. المشكلة ان نداء لجنة المتابعة للناس يأتي بعد ان تقطعت خيوط الثقة بين المواطن وسلطته.

في كل قرية ومدينة عربية هناك تذمر عام من اداء السلطات المحلية. الفساد، المحسوبيات، تعيين المقربين لدرجة خلق جهاز وظيفي متضخم، كل هذا أثقل كاهل ميزانية السلطة المحلية. سياسة تعيين اشخاص غير اكفاء تخلق الاعداء قبل ان تقرب الاصدقاء، وتصبح المصلحة الشخصية هي كل ما يربط المواطن برئيس السلطة، وفي العادة تكون هذه رابطة دم، علما ان الانتخابات ليست حزبية سياسية، بل عائلية يترشح فيها ممثلو العائلات.

في مجد الكروم، قريتي، كان معروفا ان عددا من عمال المجلس المحلي يتلقون اجورهم منه ولكن يعملون خارجه. ثبت الامر بعد انهيار المجلس وقد تجاوز العجز فيه المئة مليون شيكل. بهذه الطريقة كان يتم تعيين معلمين ومعلمات غير مؤهلين، فقط لانهم من فئة "المرضي عنهم" كما يسمونهم. والنتيجة كلنا نعرفها، ازمة مستعصية في جهاز التعليم العربي، نشهد انعكاساتها كل عام.

هذا الوضع من الفساد خلق شريحة واسعة من المتذمرين الذين لم يستفيدوا من "هدايا" الرئيس، فعزفوا عن تسديد ديون المياه والارنونا، ولسان حالهم يقول - من يستفيد من المجلس فليدفع هو. هذا السبب في ان 18% من الناس فقط سددوا ضريبة الارنونا، قبل ان تُحكم السلطات المحلية قبضتها على الناس، وتقطع عنهم الماء وتهديدات شركات الجباية بتلقين من يتأخر منهم عن الدفع درسا لن ينساه.

فشل السلطات المحلية في ادارة المجتمع العربي كشف عجز الشعار الرئيسي للتجمع الوطني الديمقراطي وهو بناء حكم ذاتي ثقافي للعرب في اسرائيل، فاذا كنا لا نستطيع ان ندير مجلسا محليا فكيف بنا بحكم ذاتي؟ النائب جمال زحالقة من التجمع اعترف دون قصد بذلك عندما قال لموقع "بانيت": "ان انهيار السلطات المحلية بسبب سوء الادارة ونسبة الجباية المنخفضة هي رسالة سيئة، قد تعني اننا غير قادرين على ادارة شؤوننا المحلية، فما بالك بالمطالب الاكبر؟".

لجنة المتابعة تبدو كمن يعلن الحرب "علي وعلى اعدائي وحتى على اصدقائي"، ولكن من غير الواضح ماذا سيكون تجاوب الجمهور مع ندائها. فاللجنة فقدت منذ مدة مصداقيتها وقدرتها على تجنيد الناس الذين يدركون ان العجز المالي لم يكن فقط بسبب الديون المتراكمة وشح الميزانيات الحكومية، بل وبالتحديد بسبب سوء الادارة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة