كلمات للبحث

اقتصاد


العدد ٢١٣, كانون اول ٢٠٠٧

شؤون محلية

فقر العرب نتيجة العنصرية المبرمجة

اسماء اغبارية-زحالقة

الدولة تتعهد بمحاربة الفقر، ولكنها تواصل استيراد العمال الاجانب الارخص. تجاهل الحكومة لتوصيات مؤسساتها نابع من نظرتها للعرب كخطر ديمغرافي، ولكنه يعكس ايضا التناقض بين النموذج القديم لاسرائيل كدولة رفاه وبين تحولها الى "دولة كل اغنيائها". مقتطفات من المحاضرة حول الفقر في الوسط العربي، ألقتها الكاتبة في "الكلية الاجتماعية الاقتصادية" في سينماتك القدس في 20/11.

بيت لعائلة فقيرة في حي العجمي بيافا، 2006. تصوير: دان زلتسر

تكثر الحكومة الحديث عن الفقر، وتُبدع الخطط لمحاربته، ولكنها لا تنفذ منها شيئا. الفقر في اسرائيل له هوية قومية وحتى جنسية: انه عربي وهو امرأة، بمعنى ان العرب هم افقر المجتمعات وبالذات النساء منهم. فالمعطيات الرسمية تشير ان 57% من العرب يعيشون تحت خط الفقر. ومع ان العرب يشكلون 18% من المجتمع في اسرائيل، الا ان نسبتهم بين الفقراء عموما تصل الى 40%. اما البطالة بين النساء العربيات فتتجاوز ال81%.

اسباب الفقر العربي

تصوير: الداد رفئيلي

مجلس الاقتصاد القومي التابع لمكتب رئيس الحكومة، يشير للعلاقة بين الفقر وبين نسبة التشغيل المنخفضة في الوسط العربي. في وثيقة اعدها بعنوان "اجندة اقتصادية اجتماعية جديدة للاعوام 2008-2010"، بهدف تقليص الفقر والبطالة، يستنتج المجلس ان "انعدام الاعمال الملائمة هو احد الاسباب المركزية والمباشرة للفقر. فبينما تصل نسبة الفقر بين العائلات ذات المعيل الواحد الى 68%، تنخفض بين العائلات ذات المعيلين الى 3% فقط".
المعادلة بسيطة: خط الفقر هو 4200 شيكل لزوجين لهما ولدان او اكثر، في حين ان الحد الادنى للاجور الذي يتقاضاه معظم العاملين في البلاد يصل الى 3700 شيكل تقريبا. من هنا فان اجرة واحدة تهبط بالعائلة الى ما تحت خط الفقر، بينما أجرتان يمكن ان ترفعانها فوقه.
عميد بنك اسرائيل، ستانلي فيشر، اعترف مؤخرا بوجود تمييز في التشغيل ضد العرب، وعزا اسباب الفقر الى: "ان قوة العمل العربية ثقافتها متدنية، اذ تقل عن 12 سنة تعليمية، اعمالهم محصورة في المهن ذات الاجور المنخفضة، كما ان نسبة التشغيل بين النساء العربيات منخفضة جدا وتصل الى 17% فقط، بينما النسبة القطرية تصل الى 51%". ونضيف، ان نسبة التشغيل بين النساء اليهوديات تبلغ 65% تقريبا.
وزارة الصناعة والتجارة والتشغيل هي الاخرى تحلل اسباب الفقر، وتفضل اتهام الفقراء بفقرهم. الاسباب حسب الوزارة هي: "انعدام اماكن العمل الكبيرة في القرى العربية، التقاليد العربية لا تشجع النساء للخروج الى العمل، وانعدام روضات الاطفال". انتبهوا انه عندما يكون العرب هم المذنبون يكون واضحا تماما من المسؤول: "التقاليد العربية"، ولكن عندما تكون الحكومة وسياساتها هي المسؤولة يتم استخدام كلمة "انعدام"، دون ذكر المسؤول عن هذا "الانعدام". لا شك ان الدولة تتهرب من تحمل المسؤولية عن الوضع الصعب الذي خلقته بسياساتها.
كيف وصل المجتمع العربي الى هذا الوضع؟ لقد كان المجتمع العربي مجتمعا زراعيا بطبيعته. سيطرة الدولة على الاراضي العربية بعد احتلال 1948، نزع عنه الاساس الاقتصادي دون توفير اي بديل. قبل المصادرة عملت 90% من النساء العربيات في الاراضي التابعة للعائلة، بعد المصادرة هبطت النسبة الى 7% فقط، وهؤلاء يعملن في القرى التعاونية اليهودية.
السياسة الحكومية التي تعمدت عدم تطوير المناطق الصناعية في البلدات العربية، تقييد حركة المجتمع العربي على مدى 20 عاما من الحكم العسكري، ومعارضة دمجه بالمجتمع اليهودي على كل الاصعدة بما فيها العمل حتى اليوم، كل هذا حكم على العرب بالعمل في الاعمال الجسدية الصعبة مثل البناء والخدمات في المدن اليهودية، في حين تحولت القرى العربية الى فنادق لعمالها.
التركيبة العائلية للمجتمع الزراعي التي تتميز بالتأثير الكبير للحمولة وبانحطاط مكانة المرأة العربية، بقيت على حالها. اذ ان المجتمع العربي لم يمر بالثورة الصناعية ولم يكتسب المهارات والادوات لمواجهة القرن ال21. فكان الفقر نتيجة حتمية لهذه السياسة.
سبب آخر للفقر يتعلق بانتهاج اسرائيل سياسة الاقتصاد الرأسمالي الحر في العشرين عاما الاخيرة. سياسة العولمة هذه أضرّت بالمجتمع الاسرائيلي بشكل عام، والعربي بشكل خاص. الخصخصة، استيراد العمال الاجانب، تصدير المصانع، كل هذه ضربت العمال العرب اولا. ونتيجة هذه السياسة تدهورت ظروف التشغيل، ومحل التشغيل المباشر لدى الشركات الكبيرة، حل التشغيل من خلال المقاولين الثانويين وشركات القوى البشرية التي تنهب اجور العمال وتشغلهم دون حقوق اجتماعية ودون استقرار اقتصادي.
القضاء على العمل المنظم خلق مصطلحا جديدا هو "السوق المرنة"، اي العمل المؤقت دون حقوق، مما سبّب بطالة عالية جدا تصل في بعض البلدات العربية الى 25%. هكذا وصل اكثر من نصف المجتمع العربي الى حالة الفقر المدقع. اجر الزوج وحده لم يعد يكفي لاعالة عائلته، مما يضطر الزوجة للخروج الى العمل، وذلك بعد سنوات من كونها ربة بيت وعدم اكتسابها تأهيلا مهنيا. ولكن المشكلة ان العمل ليس بانتظارها، وما كان في الماضي مصادرة اراضي، تحول اليوم الى مصادرة الحق بالعمل من العرب.
الفقر تحول الى الارث الوحيد الذي يورثه الاب للاجيال القادمة. مجتمع مسنّ دون حقوق تقاعد يتحول الى عبء على العائلة، ويوسع اكثر فاكثر دائرة الفقر. الجيل القادم يولد فقيرا ويُحكم عليه بالعيش فقيرا. واذا اضفنا الى كل ذلك وضع التعليم المتردي في الوسط العربي، يمكننا ان نفهم لماذا يكبر هنا جيل كامل عاجز عن مواجهة العالم العصري والاقتصاد الحديث.

اقوال دون افعال

صحيح ان الفقر يؤدي لتكريس سلطة العائلة في الوسط العربي بسبب الحاجة اليها لتوفير الامان الاقتصادي الذي لا توفره الدولة للعرب، ولكننا نشهد ايضا عملية عكسية. احدى النساء المؤطرات في جمعية معًا النقابية قالت لنا: "ان الوضع الاقتصادي الصعب انقذني ومكّنني من الخروج من البيت الى العمل". اعداد متزايدة من النساء تخرج الى العمل، واعداد متزايدة من الرجال يقبلون بهذا الواقع.
لاول وهلة تبدو هناك فرصة ذهبية لقلب الموازين، وبامكان الحكومة تنفيذ مخططاتها التي تنادي بتشغيل النساء العربيات كمفتاح لحل مشكلة الفقر، ولكنها تفعل العكس تماما. في شهر ايلول الاخير اقرّت استيراد 2500 عامل تايلاندي اضافي لل26 الفا الذين يعملون في الزراعة، واغلقت بذلك الباب امام عدد مماثل من النساء العربيات.
السؤال المطروح هو: لماذا تقول الدولة شيئا وتفعل العكس؟ اجابتان: الاولى، ان مؤسسات الدولة تواصل اعتبار العرب خطرا ديمغرافيا ولا تناقش بشكل جدي سبل حل قضاياهم كمواطنين. والثانية تتعلق بسلم الاولويات الرأسمالي غير الاجتماعي.
تدرك الدولة ان بطالة النساء تسبب الفقر وتحمّل ميزانيتها عبئا كبيرا. مجلس الاقتصاد القومي يحذر في وثيقته المذكورة اعلاه من "العبء على الميزانية" النابع من دفع مخصصات الرفاه، كما يقدر بان زيادة نسبة التشغيل ب3% ستضيف للناتج القومي الاجمالي 8-12 مليار شيكل، وتشكل مدخولا جيدا لخزينة الدولة وتوفر عليها دفع المخصصات.
لهذا الغرض، ينادي المجلس الاقتصادي بتطوير المواصلات المؤدية لاماكن العمل، زيادة الدعم الحكومي لروضات الاطفال، وتقليص عدد العمال الاجانب الذين وصل عددهم الى 180 الفا معظمهم في الزراعة والبناء ومساعدة العجزة. "هؤلاء العمال"، يكتب المجلس في وثيقته، "ينافسون الاسرائيليين في مستوى اجورهم المتدني"، ويستنتج: "ان الربح الخاص من تشغيل العمال الاجانب لا يبرر الضرر الناجم عن إبعاد العمال الاسرائيليين عن سوق العمل".
تجاهل الحكومة لتوصيات مجلسها الاقتصادي يعكس التناقض بين النموذج القديم لاسرائيل كدولة رفاه، وبين النموذج الجديد الذي تبنته في الاعوام ال20 الاخيرة، ك"دولة كل اغنيائها". هذا ما يفسر اختيارها دعم ارباح الرأسماليين ومواصلة استيراد العمال الاجانب الارخص. السبب بسيط، وهو ان التايلاندي يكلف صاحب المزرعة 13 شيكل للساعة، في حين تكلف العاملة العربية 20 شيكل للساعة، او كما قال بدقة نائب الكنيست من حزب كاديما، افيغدور يتسحاقي: "ان التايلانديين يتقاضون النصف ويعملون الضِعف".
هذا الوضع يؤدي الى مزيد من التذمر والشعوب بالاغتراب لدى العرب. احلام الاندماج في المجتمع الاسرائيلي تبدلت بكابوس الاقصاء والفقر. وينعكس هذا في ارتفاع نسبة العنف داخل العائلة، الاجرام والتفكك الاجتماعي، ويؤدي على المستوى السياسي للانغلاق، اللامبالاة وانعدام الثقة بكل المؤسسة السياسية السلطوية والعربية. ولا شك ان انتفاضة اكتوبر 2000، وانخفاض نسبة التصويت للكنيست الى 50%، كانا اشارة بالغة في هذا الاتجاه.

ماذا نقترح؟

عاملة زراعة منظمة في جمعية معًا. تشغيل النساء مفتاح الخروج من الفقر. تصوير: مالك مراد

نحن نقترح اجندة بديلة. على المستوى الاقتصادي تدأب جمعية معًا النقابية على بناء نقابة تنظم العمال وتناضل من اجل العمل المنظم مع كامل الحقوق. التنظيم النقابي يمكن ان يشكل قاعدة لتغيير المجتمع العربي ولو ببطء. بناء قوة اجتماعية كهذه يمكن ان ينمّي لديها القدرة على النضال من اجل كافة القضايا التي تهم المجتمع العربي كالسكن والتعليم.
على المستوى السياسي نعمل على بناء حزب عمالي، هو حزب دعم. يسعى الحزب لطرح قضايا العمال على جدول الاعمال، وينادي الجمهور الاسرائيلي للانفصال عن الاجماع القومي-الاقتصادي الذي لا يقود الا لمزيد من الحروب ويعمّق الفجوات الاجتماعية.
هذا النضال ليس نضالا عربيا فقط، بل هو طبقي ايضا. لقد خلق الفقر قاسما مشتركا بين العرب واليهود. فهؤلاء يلتقون في شركات القوى البشرية التي تستغلهم، وفي شركات ويسكونسين التي تتعسف بحقوق العاطلين عن العمل منهم. صحيح، جدار الكراهية بين الشعبين يزداد ارتفاعا يوما بعد يوم، ولكن الواقع الذي يعاني منه الجميع يفسح المجال للنضال من اجل السلام العادل وانهاء الاحتلال، والنضال في نفس الوقت من اجل تغيير النظام الاجتماعي والاقتصادي.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة