10 آذار
د. منى مينا للصبار:
"بقايا النظام المصري السابق تتصرف كالقذافي: اما احكمكم واما احرقكم"
حول الأحداث الأخيرة التي تعصف بمصر ما بعد الثورة، كان لنا هذا الحديث مع الطبيبة المصرية د. منى مينا، ناشطة معروفة في منظمة
"أطباء بلا حقوق" المصرية والتي سطع نجمها منذ عهد مبارك، وكانت قد استضافتنا في بيتها لدى زيارتنا القاهرة عام 2008.
ما همنا بادئ ذي بدء كان المشهد البشع الذي رافق يوم المرأة العالمي في ميدان التحرير، حيث تعرضت 300 متظاهرة الى اعتداء وتحرش جنسي من قبل 600 رجل تظاهروا ضدهن وأدوا الى تفريقهن بالقوة. ولم تتضح صورة ما حدث، ولكن كان باديا ان الرجعية تأبى ان تولّي مع رحيل مبارك.
فوجئنا لدى سؤالنا للدكتورة مينا عن رأيها في الأحداث وتقييمها لها، بان قالت انها لم تشارك في المظاهرة وضحكت وهي تقول انها لا تدري ان كان صحيحا ام خطأ انها لا تشارك اطلاقا في النشاط النسوي. ولكن سرعان ما عادت الى هدوئها وكلماتها المحسوبة، اذ قالت بنبرة جدية يشوبها القلق، انها منشغلة أكثر بما سمته "الزوابع" التي تجتاح مصر، فقد قتل اليوم 11 مسيحيا وتم الاعتداء على كنيسة اطفيح، وفي حوادث اخرى قامت قوات الامن باطلاق الرصاص على المتظاهرين وتم اعتقال 189 شابا بعد ان تم ضربهم وصعقهم بالكهرباء.
الصبار: ما الذي يقف وراء كل هذه الأعمال؟
د. منى مينا: هذه أحداث مفتعلة. وقد تأكد مؤخرا ان من قاد الهجوم على كنيسة اطفيح هو مخبر أمن دولة. اننا امام ثورة مضادة يقودها امن الدولة الذين يحركون في مساعيهم هذه البلطجية وغيرهم. ولكنهم لم ينجحوا في إشعال الفتنة الطائفية، كل من شارك في المناوشات مع المسيحيين كانوا من البلطجية وقادة امن الدولة وراءهم.
ولكنا تابعنا مظاهرات ذات خطاب اسلامي واضح، هل كان هذه مفتعلة ايضا؟
مينا: كلا، هذه كانت مظاهرات لسلفيين، يحاولون اثارة ملفات حساسة قديمة عمرها عام، مثل ملف كاميليا شحاتة، وهي مسيحية تركت زوجها وأشيع انها اعتنقت الإٍسلام مما اثار المسيحيين فردوها الى الكنيسة قسرا، ومع انها ظهرت في الاعلام واكدت انها مسيحية ولم تسلم، الا ان السلفيين مصرون انها مسلمة وتجبر على العيش كمسيحية. ملف آخر، هو الهجوم على مسلمة أحبت شابا مسيحيا.
انا مع الحرية الدينية، ولكن السؤال ما معنى اثارة ملفات عمرها اكثر من عام الآن بالذات، بعد يومين من تولي عصام شرف رئاسة وزراء حكومة تسيير الأعمال. ما يحدث هو ان بقايا النظام السابق سيحاول جهده البحث عن القضايا الكامنة، في محاولة لإشعال الفتنة من خلال اثارة ملفات قديمة. إصرار بقاء النظام على اشعال البلد يشبه ما يفعله القذافي في ليبيا اليوم: إما أن أحكمكم وإما ان أحرقكم. النظام السابق لم يسقط، صحيح لم يعد هناك رئيس، ولكن هناك اسماء مشهورة واخرى كثيرة غير مشهورة ما زالت موجودة وتبذل قصارى جهدها لقمع الثورة واستعادة السيطرة. مؤخرا قامت قوات امن الدولة باشعال الحريق في مستشفى في مدينة ريفية، وذلك بعد ثلاث ساعات فقط من اقتحام مبنى امن الدولة بالاسكندرية. البلطجية يقومون بالاعتداء على المدارس الابتدائية، يهاجمون الاطفال.
الصبار: ما هي آليات الناس للدفاع عن نفسها؟ هل لا تزال اللجان الشعبية تنشط؟
مينا: لا يمكن حراسة كل مكان. المشكلة ان الشرطة غائبة عن الشارع تماما من 28 يناير. الشرطة يجب ان تعمل في الشارع، ولكن الشرطة ممتنعة عن العمل، وهي في وضع من الاضراب غير المعلن. آخر عمل قامت به قوات الشرطة قبل اختفائها عن الشارع كان فتح السجون وإطلاق المجرمين والبلطجية ليعيثوا فسادا في البلد ويواجهوا المتظاهرين. احد شهداء الثورة كان لواء في الشرطة رفض تنفيذ اوامر عليا من النظام بفتح السجون وإطلاق المجرمين فقامت الشرطة باطلاق النار عليه وقتله.
مطلوب اعادة هيكلة الجهاز الامني بشكل مختلف، ومحاكمة شديدة للمتورطين في الجرائم ضد المواطنين، واجبار الشرطة على إعادة الأمن للشوارع فيما يخدم امن المواطنين.
الصبار: ما موقفك من عدم تدخل الجيش في الاحداث الاخيرة؟
مينا: هناك بطء في تدخل الجيش وهذه نقطة ليست في صالحنا بل ضدنا. لا املك تفسيرا لها. المعركة لا تزال طويلة، وما زال الشعب المصري بعيدا عن تحقيق آماله.
الصبار: كان تقييمنا بأن الثورة خلقت تلاحما بين المصريين، فلم يكن احد يفرق بين مسلم ومسيحي في المظاهرات. هل الثورة خلقت واقعا جديدا، أم ترين إمكانية لنجاح بقايا النظام في إشعال الفتنة مجددا؟
مينا: صحيح الثورة بدّدت الفوارق، ولكن المشاكل موجودة، والنظام يستخدم مشاكل قائمة لتحريكها في خدمته. الاحتقان الطائفي نابع من إحساس المواطن بالقهر لانعدام العدل الاجتماعي، وافتقاد القدرة على التعبير، وكانت هذه المشاعر تخرج في التعاملات بين الناس، اذ من الأسهل توجيهها لأمور بعيدة عن الهموم الحقيقية للناس. وهذا ما فعله النظام السابق بشكل دائم، ويحاول ان يفعله اليوم ايضا.
الصبار: هل تؤيدين قرار الجيش إجراء انتخابات رئاسية وتأجيل البرلمانية؟
مينا: طبعا اؤيد، هذا من مطالب الثورة، لان القوى السياسية غير جاهزة بعد، وبعضها لم يتبلور ليشارك في الانتخابات البرلمانية كما ان التعديلات الدستورية لم تنجز على نحو يفسح المجال لاجراء الانتخابات بالشكل الذي يلبي طموح الثورة.
هناك رضا عن رئيس الحكومة الجديد، ولكني كنت افضل ان يكون هناك مجلس رئاسي لقيادة المرحلة الانتقالية مشكل من اربعة مدنيين وعسكري واحد، هذا افضل واكثر حرصا على تحقيق مطالب الثورة. خاصة ان هناك قلقا من التعديلات الدستورية وإبقاء على مواد معينة يمكن ان تفرق بين الناس بدل ان تجمعها، مثل المادة الثانية من الدستور (المادة الثانية من الدستور المصري متعلقة بأن الإسلام هو دين الدولة، وأن الشريعة الإسلامية هي المرجعية العليا – ا.ا.).
واضح ان هذا الامر بسبب تعقيداته او كونه خوضا في التفاصيل، لا يحظى بالاجماع الذي حظي به المطلب الرئيسي وهو ازاحة الرئيس، ولكن هذا طبيعي لمرحلة ما بعد الاطاحة بالرئيس، ويصعب ابرازه بالشكل الذي ابرزنا به المطلب الرئيسي. ولكنه يبقى مطلبا رئيسيا للثورة.
الصبار: ولكن الجيش أعلن رفضه للمطلب
مينا: كل المطالب رُفضت في البداية. ولكن هذا مطلب ثابت وجوهري.
الصبار: أنت نشيطة في منظمة الاطباء بلا حقوق وخضت النضال في زمن دكتاتورية مبارك، اين هو النضال اليوم من الاحداث التي تهز البلاد؟
مينا: الاطباء يشكلون مجاميع لمناقشة الاوضاع التي تمر بها البلاد، ويصيغون المطالب والافكار ويطرحونها. الحالة حالة مخاض لم تستقر بعد، ولكن هناك مكاسب محددة، اهمها ازاحة الكثير من المدراء الفاسدين للمستشفيات وللمديريات الصحية وفي المستوى الوزاري.
اما بالنسبة لتحسين المرتبات او الاوضاع العلمية فلم تشهد بعد تغييرا. من اهم ثمار الثورة إلغاء
لائحتين كان وزير الصحة قد فرضهما وتتعلق بفرض اسعار على الخدمة في المستشفيات الحكومية.
الصبار: هل انت مطمئنة للمرحلة القادمة، وتحديدا ما تقييمك لقدرة الناس على حشد أنفسهم مرة بعد مرة لضمان تحقيق المطالب؟
مينا: اشعر بالخوف على الثورة وانا مهتمة بدفعها الى الامام، واشعر ان الملايين مثلي لديهم الرغبة في الحرص عليها. الأمر المؤكد ان عقارب الساعة لا ترجع للوراء، وكل يوم الثورة تحقق انتصارات، ولكن لا تزال الطريق أمامنا طويلة.
اضف تعليقًا
ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

باب الحارة: حنين الى قيم غابت
نسخة للطباعة
