شؤون اسرائيلية

النزاع بين الدولة والمتدينين يبرز التناقض في تعريفها كيهودية ديمقراطية

ميخال شفارتس

الاستياء والحدة اللذان يرافقان صراع الحضارات بين مؤيّدي محكمة العدل العليا من جهة، والمتدينين الأشكناز من جهة أخرى، ومواصلة الخوض في الموضوع في الإعلام الإسرائيلي، تنبع من كونها صراعًا يهوديًا داخليًا. ولكن، مثل وضع الصراع بين دولة إسرائيل ومواطنيها العرب، هذا الصراع أيضًا لا يجد له حلا في إطار الدولة اليهودية.

طمح مؤسّسو دولة اليهود لإقامة دولة علمانية وديمقراطية وحتّى اشتراكية. بذلك تأسّست دولة إسرائيل كمخلوق مهجّن ينطوي على تناقض داخلي. ينتمي اليهود وفقًا لبطاقة الهوية إلى القومية اليهودية والعرب إلى القومية العربية، ولا ذكر للقومية الإسرائيلية. من المفهوم ضمنًا أنّ تعريف من هو يهودي وما هي اليهودية كان وما زال تعريفًا دينيًا يحدده الحاخامات وليس مؤسّسات الدولة. ومَن أكثر يهودية مِن ذلك الذي ينتمي إلى المعسكر المتدين المتزمت، المتفرّغ للفرائض الدينية والذي يبدي استعدادا تامّا للتضحية بنفسه في سبيل دينه؟ من هنا لم يعر احد في الدولة اهتماما بعدم اعتراف المتدينين بمؤسسات الدولة الرسمية.

منذ قيامها منحت إسرائيل المتدينين المتزمتين، بمن فيهم اللاصهيونيين، صلاحيات ودعمًا يتعدّى نسبتهم السكّانية، وأحيانا لاعتبارات ائتلافية. السبب لمنح الدعم كان أيديولوجيًا. فهل يُعقل أن تحارب الدولة اليهودية المتدينين المتزمتين كما حاربهم القيصر الروسي وسائر أعداء إسرائيل؟ هل تستطيع الدولة إجبار المتديّنين على التخلّي عن دينهم والتعلم في مدارس مختلطة؟ أضف إلى ذلك أنّه من أجل الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة ومنع الانصهار في الشعوب الأخرى، تجيز دولة إسرائيل العلمانية والحديثة حتّى اليوم الزواج حسب الشريعة اليهودية فقط، ولا تعترف بالزواج المدني.

كانت هذه الضريبة التي دفعها الصهيونيون العلمانيون الذين اعتبروا أنفسهم اشتراكيين، للأقلّية المتدينة، وكان باستطاعة هذه الاخيرة الانعزال وعدم العمل، وكل هذا على حساب المال العامّ. هذا هو سبب قيام تيّار التعليم المستقلّ للمتدينين، والإعفاء الجارف لهذه الشريحة من الخدمة العسكرية ومن العمل، والتمويل السخيّ لتلاميذ المدارس الدينية. كانت حاجة الدولة للمتدينين أكبر من حاجتهم هم إليها.

لكنّ التناقض المركزي بين الطابع اليهودي للدولة وبين الديمقراطية، يكمن بالتحديد في علاقاتها مع المواطنين العرب. فالعرب لا يحصلون على أيّ دعم. بل بالعكس، الدولة هي التي خلقت قضية اللاجئين الفلسطينيين، وسيطرت على معظم ممتلكات وأراضي العرب واستغلّت أنظمة الطوارئ وتعاملت معهم على أنّهم تهديد ديمغرافي وأمني وأوجدت مصطلح "القرى غير المعترَف بها" ومارست التمييز ضدّهم في كلّ المجالات. وفقًا لقانون المواطنة، فإنّ قانون العودة يسري على اليهود فقط. يمنح هذا القانون مواطنة تلقائية لكلّ يهودي لمجرد كونه يهوديًا، لكنّه يتجاهل حقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى بيوتهم.

لم يطالب المواطنون العرب بتعلّم الكتب الدينية على حساب الدولة، ولم يطالبوا بالانعزال والانفصال عنها، ولكن الدولة بدورها "كافأتهم" بنسب البطالة والفقر التي هي ضعف نسبتها لدى المواطنين اليهود، وألقت بهم إلى هوامش المجتمع. في أكتوبر 2000، بعد نشوب الانتفاضة الثانية، برز بكل الحدة انعدام الثقة بين المواطنين العرب وبين مؤسّسات الدولة.

لا حاجة للقول إنّ محكمة العدل العليا لم تقف ضدّ مصادرة الأراضي وهدم البيوت والاعتقالات الإدارية وإغلاق الصحف ومنع التنظّم وسحب المواطنة ومنع لمّ شمل العائلات وفرض قيود على أعضاء الكنيست العرب. في الحالات القليلة التي قرّرت فيها محكمة العدل العليا لصالح مواطني الدولة العرب، كما حدث في قضية المهجّرين من إقرث وبرعم حيث حكمت المحكمة في عام 1952، بأن تسمح لهم الدولة بالعودة لقراهم، لم تُبدِ إصرارًا ولم تُجبِر الدولة على تطبيق قرارها الذي لم ينفذ لليوم.

نسبة زيادة السكّان المتدينين جعلتهم عبئًا على المواطنين الذين يعملون. المواطنون العرب أيضًا ازداد عددهم بنسبة كبيرة. للمجموعتين تيّار تعليم خاصّ، المجموعتان لا تخدمان في الجيش، كلتاهما تعانيان من الفقر والبطالة- الأولى تحظى بامتيازات بمحض الاختيار، والثانية تعاني من التمييز القهري الذي يُمارس ضدّها، المجموعتان لا تثقان بكافة مؤسّسات الدولة، بما فيها محكمة العدل العليا.

ومع الوقت يشتدّ التناقض بين تعريف إسرائيل كدولة يهودية وتعريفها كدولة ديمقراطية. تحاول محكمة العدل العليا حماية أقلّية تتمتّع بحقوق زائدة، وترغب في تحقيق طرفَي المعادلة- دولة يهودية تميّز ضد العرب، ودولة يهودية علمانية ديمقراطية ليست على استعداد لدفع الضريبة لليهود المتدينين.

الإجماع المنشود المؤسّس على دستور مقبول على الجميع- يتلاشى من يوم إلى آخر. إذا أرادت إسرائيل حقًّا أن تكون ديمقراطية، لا يمكنها تعريف نفسها كدولة يهودية. عليها أن تكون دولة تحقّق المساواة، وتفرض نفس الواجبات وتمنح نفس الحقوق لجميع مواطنيها. طالما لم يحدث ذلك، فإنّ التصادم الحتمي بين الدولة من جهة وبين العرب والمتدينين اليهود من جهة أخرى سيقوض الدولة من الداخل.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة