كلمات للبحث

غزة


العدد ٢١٠, ايلول ٢٠٠٧

شؤون فلسطينية

اقتراحات اسرائيل لمعاقبة غزة ليست جديدة، بل سارية المفعول منذ مدة. فالمعابر مغلقة امام كل شيء باستثناء الغذاء والدواء؛ كل المناطق في غزة تعاني انقطاعا مبرمجا في الكهرباء يرافقه انقطاع في الماء؛ معظم المصانع والمشاريع الاقتصادية أغلقت ابوابها وفصلت عمالها، اما السكان فعلى الاقل لا يزالون فوق خط الجوع، ويتساءلون: كيف يمكن لاسرائيل ان تعاقبنا اكثر؟.

غزة: ليس بالخبز وحده يحيا الانسان

ميخال شفارتس

حول مداولات الحكومة الاسرائيلية في بداية شهر ايلول بشأن سبل معاقبة اهالي غزة المدنيين، من خلال وقف الكهرباء والمياه واغلاق المعابر، قال عصام يونس، مدير مركز "الميزان" لحقوق الانسان في غزة، في مقابلة هاتفية للصبّار في 5/9:

"الخطوات التي تناقشها اسرائيل سارية المفعول اصلا، ولا جديد فيها. فالمعابر مغلقة امام كل شيء باستثناء الغذاء والدواء، كل المناطق في غزة تعاني انقطاعا مبرمجا للكهرباء لمدة تتراوح بين 12-24 ساعة اسبوعيا على الاقل. يرافق ذلك انقطاع في المياه وخطر انهيار مشاريع الصرف الصحي. معظم المصانع والمشاريع الاقتصادية أُغلقت، اما السكان فعلى الاقل لا يزالون فوق خط الجوع. انه عقاب جماعي خطير، تجاوز القانون الدولي. اسرائيل لا تزال قوة محتلة ومسؤولة لذلك عن الوضع في قطاع غزة، فكيف يمكنها ان تعاقبنا اكثر؟".

وائل خلف، مسؤول كتلة الوحدة العمالية في غزة وعضو اللجنة التنفيذية في اتحاد النقابات العمالية في غزة، قال الشيء نفسه بطريقة اقل دبلوماسية: "الضرب في الميت حرام".

اسرائيل هي الطرف المسؤول عن كل كبيرة وصغيرة في غزة، حتى بعد تفكيك المستوطنات والانسحاب للخط الاخضر ضمن عملية الانفصال الاحادي الجانب عام 2005. من المفروض عليها ان تزوّد غزة ب60-70% من الكهرباء، 100% من الوقود لتشغيل الكهرباء المحلية التي تنتج 30% من حاجة القطاع. بيدها ان تمنع او تسمح بتشغيل المطار والميناء، وهي التي تجبي الضرائب والرسوم الجمركية عن كل البضائع المستوردة، وتشكل هذه الرسوم مصدر تمويل ل60% من رواتب موظفي السلطة الفلسطينية. اسرائيل هي التي فرضت الشيكل عملة فلسطينية، وهي المسؤولة عن اصدار ارقام الهويات لاطفال غزة. هي التي أغلقت المعابر المحلية والدولية امام السكان والسلع منذ 12/6/2007، اليوم الذي سيطرت فيه حماس على غزة، وعزلتها بذلك عن الضفة الغربية وعن العالم، بموافقة الدول المانحة. حاكمك ظالمك بعون العالم، ولا طرف يمكن لاهالي غزة ان يشكوا اليه مأساتهم.

خطر الانهيار الاقتصادي

ربما لم تمت غزة بعد، ولكنها قريبة جدا من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الشامل. هذا ما حذّر منه مندوبو الامم المتحدة في تموز وآب الماضيين. يعيش في غزة 1.4 مليون نسمة، منهم 1.1 مليون لاجئ، مغلقين تماما، حصلوا على التموين آخر مرة قبل احداث حزيران الاخير الذي شهد استيلاء حماس على السلطة. معظم الناس في غزة باتوا يعتمدون على الهيئات الانسانية في حياتهم اليومية، كما يفيد تقرير المهندس علي ابو شهلا، بعنوان "اقتصاد غزة الى اين" (آب 2007).

منذ انقلاب حماس، تسمح اسرائيل بدخول الغذاء والدواء فقط. امور اساسية كثيرة لا تدخل: المواد الخام مثل الاسمنت، الحديد، الخشب، المسامير وقطع الغيار. ممنوعة من الدخول ايضا الالبسة والاحذية، السجائر والادوات الكهربائية والالكترونية، البطاريات الجافة، منتجات البلاستيك، ورق التواليت، ادوات المطبخ، الهواتف الخليوية، الورق بانواعه، لعب الاطفال، وكل ما صار وجوده في حياتنا امر مفروغ منه. الزبائن يشترون كل ما في الدكاكين حتى تنتتهي جميعها، هذا إن توفر المال للشراء.

بسبب النقص في الورق والحبر لم تتم طباعة كل الكتب المدرسية، وبدأ 200 الف طالب العام الدراسي في 1/9 بالقدم اليسرى. دون قطع غيار، أُغلق مؤقتا 80% من المرافق الاقتصادية في القطاع الخاص وتشمل 3.900 مصنع، يُحتمل نقل بعضها للدول المجاورة. 65 الف عامل مسؤولين عن اعالة 450 الف نسمة، فقدوا اماكن عملهم دون الحصول على تعويضات، دون تأمين وطني او رسوم بطالة ودون أية فرصة لايجاد عمل جديد.

حسب مؤسسة "بالتريد" الفلسطينية يُقدَّر الضرر الاقتصادي في مجال الاثاث بثمانية ملايين دولار، في الثياب والاقمشة 15 مليون دولار، وفي الاغذية المصنّعة ثلاثة ملايين دولار. القطاع الزراعي الذي يشغّل 40 الف عامل ويشكل مصدر رزق لربع سكان غزة، يعاني نقصا في الحبوب، السماد والمبيدات. كما ان عدم امكانية تصدير المنتجات الزراعية لخارج غزة، سببت خسائر فادحة بسبب الاضطرار لبيع المنتجات في اسواق غزة باسعار بخسة. حسب تقدير وزير الزراعة في حكومة سلام فياض، اذا استمر اغلاق المعابر امام عملية التصدير، فستصل خسائر الموسم الى 12 مليون دولار.

تقرير المهندس علي ابو شهلا يشير الى ان عدة مشاريع دولية توقفت لعدم دخول المواد الخام، منها مشاريع البناء والمشاريع الصحية لوكالة غوث اللاجئين "اونروا"، والتي تقدر قيمتها ب93 مليون دولار. كما تم وقف مشروع تطوير شارع صلاح الدين الرئيسي، وقيمته 25 مليون دولار تبرعت بها اليابان. مشروع بناء محطة معالجة شمال غزة ب25 مليون يورو، ومشروع إسكان كبير تبرعت به دولة الامارات بمبلغ 100 مليون دولار يواجهان خطر التجميد ايضا، مما يعني فقدان 40 الف عامل دائم اماكن عملهم. الارقام الرسمية تشير الى بلوغ البطالة نسبة 40%، ولكن مازن يونس، مدير مركز "الميزان"، يقدر انها تراوح ال60%. اما نسبة الفقر فوصلت حسب تقدير الامم المتحدة، الى 90%.

تضاف هذه القائمة الى مشاريع اخرى تم اغلاقها بعد انتخابات 2006، وتشمل مشروع نقل مياه غزة الذي ترعاه مؤسسةUSAID بقيمة 155 مليون دولار، ومشروع الماني لانشاء محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي بقيمة 70 مليون يورو.

ممّ تعيش غزة اذن؟ الوحيدون القادرون على اعالة عائلاتهم هم مئة الف من موظفي السلطة الفلسطينية الذين يتقاضون سُلف، وعشرة آلاف موظف في وكالة "اونروا"، كما افادنا وائل خلف، المسؤول في اتحاد النقابات. بالاضافة لذلك، وزّعت حماس منحا بقيمة 100 دولار لكل واحد من ال20 الف عاطل عن العمل في شهر آب، وهناك احتمال ان تدفع المبلغ ذاته في هذا الشهر ايضا.

يقول خلف ان الناس يربون الدجاج وحيوانات اخرى، ويزرعون الخضروات. بالمقابل تفشت ظاهرة الاولاد المتسولين في الشوارع، ولكن الشوارع الرئيسية نفسها بدأت تخلو من الناس وحركة الزبائن باتت قليلة جدا. فلا احد يشتري ولا نقود يمكن الشراء بها. حتى الاغنياء الذين يسكنون البروج الفاخرة يضطرون للصعود على الاقدام ثمانية طوابق بسبب انقطاع التيار الكهربائي.

اسعار الطعام والبضائع المتوفرة قفزت، ليس فقط بسبب احتكار التجار الكبار للبضائع، بل ايضا بسبب التكلفة العالية لنقل الحاويات الكبيرة (كونتنر) من ميناء اسدود الى حاجز صوفا، والتي تتراوح بين 2000-5000 دولار، وهو ما يعادل او يزيد عن تكلفة النقل من الصين الى اسدود والتي تبلغ 2000 دولار، كما افادنا عصام يونس. علبة السجائر على سبيل المثال، التي كانت تكلف عشرة شيكلات تكلف اليوم 15 شيكلا، اذا تواجدت في الاسواق.

انخفاض عائدات البلديات الناتج عن عجز المواطنين عن دفع الرسوم المختلفة، ادى لعدم دفع رواتب عمال البلديات منذ نصف سنة تقريبا، مما قاد لاضراب العمال في مدينة غزة في 11/8، انضم اليه عمال بلديات خان يونس وجبالية. عن حالة الشوارع في غزة جاء في تقرير منسق الامم المتحدة الانساني للاراضي الفلسطينية المحتلة، الصادر في 15-25، بان "آلاف الاطنان من اكوام النفايات تتكدس في شوارع مدينة غزة، مما يثير القلق بشأن الصحة العامة في المناطق المحيطة".

وضع المستشفيات صعب جدا هو الآخر. عندما ينقطع التيار الكهربائي يشغّل المستشفى اجهزته على المولّدات التي توفر نسبة محدودة من الكهرباء، وتستخدم فقط في حالات الطوارئ. حتى الثلاجات الحافظة للادوية تضررت.

يقول للصبّار الدكتور الجراح معاوية حسنين، مدير العلاقات العامة في مستشفى الشفاء، في 5/9: "الادوية الاساسية متوفرة، ولكن هناك نقص خطير في ادوية امراض الكلى وامراض مزمنة اخرى مثل السكري والقلب وادوية كيماوية لعلاج السرطان، كما تنقص الادوية المخدرة اللازمة للعمليات الجراحية؛ النقص في قطع الغيار يمنع صيانة الاجهزة الطبية الضرورية؛ النقص في المياه يخلق ظروفا صحية تهدد بظهور وتفشي وباء الكوليرا وامراض الامعاء، خاصة بين الاطفال المنتشرين في الشوارع؛ كما لوحظ ارتفاع في نسبة الاجهاض."

بعيدا عن الاستقلال

"ليس بالخبز وحده يحيا الانسان"، يقول للصبّار علي ابو شهلا، مهندس ورجل اعمال، شريك في مصنع اغذية. "الحياة دون كهرباء ومواد خام ليست حياة. دون كهرباء المضخات لا تستطيع ضخ الماء للخزانات على السطوح، مما يضطر العائلات لشراء براميل الماء او ارسال الاولاد لشراء الماء.

المحطة المستقلة لتوليد الكهرباء في غزة التي كانت قبل القصف الاسرائيلي توفر نصف كمية الكهرباء للاستهلاك المحلي، تعرضت للقصف الاسرائيلي في 28/6/2006، مما حوّل غزة الى رهينة لشركة الكهرباء الاسرائيلية. حتى قبل القصف كان تفعيل المحطة ولا يزال متعلقا تماما بالوقود والغاز من اسرائيل. في الفترة بين 19-22 آب انقطع التيار الكهربائي على مدار 12 ساعة يوميا، ولم يتوفر الماء الا لمدة ساعتين او ثلاث في اليوم، وذلك بسبب توقف شركة "دور الون" الاسرائيلية عن تزويد غزة بالوقود اللازم لانتاج الكهرباء. جاء هذا بامر من السوق الاوروبية المشتركة التي شكّت ان حكومة حماس تجبي رسوم الكهرباء من المواطنين لتحتفظ بالعائدات لتنظيمها.

المعبر التجاري الرئيسي والهام، معبر المنطار (كارني) بقي مغلقا، ويتم تزويد القطاع بالمواد الاساسية عن طريق معبري صوفا وكرم ابو سالم. في الفترة بين 19/6 وحتى 23/8 لم تسمح اسرائيل بمرور اكثر من 535 شاحنة محملة بالاغذية والادوية، ويعني هذا 105 شاحنة يوميا، اقل من نصف ما كان يعبر قبل ذلك التاريخ حين وصل عدد الشاحنات الى 264 شاحنة يوميا.

لم تكتف اسرائيل بابطال الاستيراد والتصدير بل الغت العلامة الجمركية للمصدّرين من قطاع غزة. ويفرض هذا الاجراء على المصدِّرين العمل من خلال جهة ثالثة، اذا تم فتح المعابر. هناك اكثر من 1400 حاوية في الموانئ الاسرائيلية وخارجها تحتوي على بضائع بقيمة حوالي 130 مليون دولار. هذا بالاضافة الى 600 حاوية فارغة في غزة يجب ان تعاد الى شركات في اسرائيل، ويدفع التجار الغزيون غرامات يومية الى حين تتم اعادتها. (تقرير ابو شهلا)

في الزاوية

الحصار الحالي عبارة عن تشديد لاجراءات قديمة بدأت غداة الانتخابات للتشريعي في 25/1/2006 والتي أسفرت عن الفوز الساحق لحماس. وازدادت وطأة الاجراءات تدريجيا بعد اختطاف الجندي الاسرائيلي جلعاد شليط في حزيران 2006، مرورا بتشكيل الحكومة الفلسطينية برئاسة اسماعيل هنية في الشهر نفسه، ووصلت الذروة بعد انقلاب حماس واستيلائها على السلطة في قطاع غزة في 15/6 الاخير.

اذا كانت اغلبية السكان تعيش من المساعدات الخارجية قبل حزيران الاخير، فقد تدهور الحال اليوم لدرجة انه لم يعد هناك اي اقتصاد في غزة البتة، الامر الذي يعرض قطاع غزة برمته للخطر.

"حشرونا في الزاوية" يقول عصام يونس من مركز "الميزان"، "لكن النتائج ستكون مأساوية للجانبين. نحن لسنا في مختبر، نحن 1.4 مليون انسان، وسياسة اسرائيل تجويع الناس حتى تترك حماس هي سياسة غبية، لان الناس ترى في حماس ضحية، واذا ترك الناس حماس فسيكون هذا للانتقال لشيء اكثر تطرفا، وليس كما تظن اسرائيل. هذا الحال لن يتغير حتى ينتهي الاحتلال بشكل حقيقي، وحتى نحل المشاكل الداخلية الفلسطينية".

هناك من يعتقد ان الاغلبية ابتعدت عن حماس، مشيرا الى احتجاج الصحافيين على انتهاكات حرية التعبير وعلى الصلوات الاحتجاجية في الشوارع والاعتقالات العشوائية. وهناك من يرى العكس. عصام يونس يطمح للوحدة الوطنية، بينما وائل خلف يرى ان حماس لا تقبل بمنظمة التحرير الفلسطينية ولم تتنازل عن تبديلها بالقوة، في نفس الوقت يعبر عن خيبة امله من عدم قدرة عناصر المنظمة على تحريك الجماهير.

مؤيدو ابو مازن يدّعون ان هناك فرصة سانحة حتى المؤتمر الدولي في تشرين ثان القادم. ولكن اذا عاد ابو مازن من هناك دون نتائج، وهذا محتمل علما ان اسرائيل لا تبحث عن حل جذري للقضية الفلسطينية، بل تحاول كسب الوقت واستغلال وضع حماس للقضاء عليها، فمن المحتمل ان يبحث الفلسطينيون عن بدائل اكثر تطرفا من حماس. "end"

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة