ثقافة

قراءة في كتاب

عمال مصر يتحدثون بلغة عمال العالم

اساف اديب

"العمال والمقاومة الاجتماعية"
اعداد: خالد علي عمر
اصدار: "اللجنة التنسيقية للحقوق والحريات النقابية والعمالية" و"مركز هشام مبارك للقانون"،
القاهرة 2007

كتاب "العمال والمقاومة الاجتماعية" حول الحركة العمالية المصرية، هو كتاب مثير ومهم. مثير لانه يقدم للقارئ صورة ملموسة وحقيقية عن حركة الطبقة العاملة المصرية في السنوات الاخيرة، والتي تدل على الطاقات العظيمة الكامنة في العمال المصريين. مهم، لانه يسلط الضوء على الطبقة التي أهملها الرأي العام واستهترت بها وسائل الاعلام. ويقدم الكتاب مساهمة مميزة، اذ انه يلفت النظر الى هذه الحركة الجديدة، ويحمل البشرى بان "ثورة عمال مصر قد بدأت".

عملت على اصدار الكتاب "اللجنة التنسيقية للحقوق والحريات النقابية والعمالية"، بالتعاون مع "مركز هشام مبارك للقانون" في ربيع عام 2007. عندما صدر الكتاب لم يكن المؤلفون قد وقفوا بعد على مدى سرعة التطور في ساحة النضالات العمالية، والتي وصلت الى ذروتها في احداث 6 ابريل 2008 في المحلة الكبرى.

يركز الكتاب على الدور المحوري الذي تلعبه الحركة العمالية في الحياة الاجتماعية والسياسية المصرية، بعد ان كانت على مدار ثلاثة عقود محصورة في الصراع الحاد بين نظام مبارك من جهة وبين الاخوان المسلمين من جهة اخرى. فما اصبح قانونا في السياسة العربية والفلسطينية من تقاسم للسيطرة السياسية بين مؤيدي امريكا وبين الاسلام السياسي، يكسره اليوم عمال مصر ويثبتوا بذلك للعمال الفلسطينيين وللعمال العرب، بان هناك خيارا ثالثا ممكنا.

كما يأتي نضال عمال مصر على خلفية ازمة النظام الرأسمالي التي بدأت تهز الاقتصاد الامريكي. كما انه شبيه بنضالات الطبقة العمالية في امريكا اللاتينية واوروبا، مما يشير الى الطبيعة الاممية للحركة، بعيدا عن الانغلاق وكراهية الآخر.

لا يشتمل الكتاب على بحث علمي واحصائيات، بل هو عبارة عن تقارير ميدانية لاحداث جرت على مدار اربعة اشهر دراميتيكية، من كانون اول 2006 وحتى آذار 2007، اشتملت على اضرابات، اعتصامات واضرابات عن الطعام في قطاع النسيج في كل من مصنع شركة مصر للغزل والنسيج في "المحلة الكبرى" و"غزل شبين كوم" ومواقع اخرى. كما تطرق لاضرابات عمالية في قطاعات اخرى منها اضراب سائقي سكة الحديد في القاهرة ومصنع الاسمنت في "حلوان وطره".

المثير في التقارير انها تروي احداثا شبه يومية لمجموعات من العمال تطالب بتحسين ظروف عملها وتحقيق وعود والتزامات الحكومة او ادارة الشركة تجاهها، وتنتهج خطا نضاليا معتدلا وواقعيا، وتبدي مرونة في طرح مطالبها واختيار تكتيكها. ولكن في نفس الوقت يصر العمال على حقهم بتمثيل انفسهم بانفسهم، كما يطرحون مسألة التنظيم العمالي وحق العمال في اختيار ممثليهم، وبذلك يتحدون بعنف اتحاد العمال الرسمي الذي يعتبر ذراع النظام والحزب الوطني الحاكم في صفوف الطبقة العاملة.

الانتخابات العمالية – نقطة الانعطاف

في الفصل الاول من الكتاب يرد شرح لما شهدته مصر في شهري تشرين ثان وكانون اول عام 2006، من موجة احتجاجات على تزوير نتائج انتخابات النقابات. ويعود النهوض العمالي اليوم الى الحالة السياسية الاستثنائية التي تشكلت في العامين 2004 و2005 عشية الانتخابات لرئاسة الجمهورية، والتي اثارتها الحركة الجماهيرية المثقفة وقادتها حركة "كفاية"، والتي نظمت لاول مرة في تاريخ مصر الحديث، اعتصامات ضد الرئيس مبارك ونادت بتبديله وعدم السماح بتوريث الرئاسة لنجله جمال.

تزامنت هذه الاجواء مع تولي احمد نظيف رئاسة الوزراء عام 2004، ودخول عملية الخصخصة الى وتيرة سريعة جدا، مما أحدث هزة ارضية في نظام التشغيل الدائم الذي سمح بنوع من الاستقرار لشريحة واسعة من العمال، حتى وإن عملوا باجور متدنية. وقد بات العمال مهددين بالفصل او التسريح المبكر نتيجة خصخصة الكثير من المصانع الحكومية. هذه الاحداث خلقت احتقانا كبيرا، سبق الانتخابات الدورية للجان النقابية المختلفة التي اجريت في تشرين ثان 2006. (ص 12)

بعيدا عن اللامبالاة كان هناك تلهف من العمال لترشيح عدد كبير منهم من التيارات السياسية المختلفة، لانتخابات اللجان النقابية. كما لوحظ اهتمام الاخوان المسلمين لاول مرة في تقديم مرشحين من طرفهم للانتخابات نفسها. حاولت السلطات اتهام الحركة العمالية بانها خاضعة لسيطرة الاخوان المسلمين، وادعت انها تحاول حماية التنظيم النقابي من سيطرة التيار الاسلامي، كمبرر لاستبعاد العديد من المرشحين. ولكن الكتاب يشير ان عدد المرشحين من التيار الاسلامي بلغ 500 من اصل 30 الف، وان الاغلبية الساحقة من المرشحين كانوا نشيطين غير حزبيين تحدوا رجالات النظام ورشحوا انفسهم لقيادات اللجان المحلية. (ص 14)

الروح النضالية التي بدأت تميز الحركة العمالية برزت لدى المرشحين المبعَدين او "المشطوبين"، عندما تمكن هؤلاء من تشكيل لجان بديلة واتخذوا اجراءات قانونية وجماهيرية لطرح مشروعية موقفهم وبطلان اللجان المنتخبة بالتزوير. وما يدل على اصرار العمال على حقهم بانتخاب قياداتهم بشكل ديمقراطي، كان استعدادهم لمواجهة اللجان العمالية المنتخبة زورا، حتى عندما كان المنتخبون مندوبين عن احزاب المعارضة مثل الاخوان المسلمين او حزب التجمع اليساري.

المغزى السياسي العميق لحركة الاضرابات العمالية في مصر، يشبه ما كان في روسيا القيصرية ابان الثورة الاشتراكية. في كلتا التجربتين هناك ارتباط عضوي بين مطالبة العمال بلقمة العيش الكريمة وبين المطالبة بالديمقراطية في الاتحاد النقابي، وكلا الامرين لهما علاقة بشعور الشعب بان النظام السياسي القائم لا يصلح ولا يجوز ان يواصل حكمه.

اضراب المحلة الكبرى

القسم الثاني من الفصل الاول يشتمل على سرد تفصيلي لما شهدته مصانع النسيج من اضرابات، وكيفية تعامل الادارة المحلية والاتحاد العام للعمال ووزارة شؤون القوى العاملة مع الوضع الجديد. ويتضح من الكتاب الدور المحوري الذي لعبته الحركة العمالية في شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى كونها المصنع الحكومي الاكبر (اذ يشمل 27 الف عامل)، وبسبب الوقفة البطولية لعمالها في اضرابهم الاول في كانون اول 2006.

عمال المحلة الكبرى، وقسم كبير منهم من النساء، يعيشون حياة فقر مدقع وبؤس نتيجة الاجور المتدنية التي لا تضمن الحد الادنى من الحياة الكريمة. الاجور التي تتراوح بين 200-400 جنيه مصري شهريا، تبقي العامل وعائلته تحت خط الفقر، علما ان خط الفقر يصل حسب الامم المتحدة الى 2 دولار لليوم للفرد. وقد طالب عمال المحلة لاحقا، في نيسان 2006، برفع الحد الادنى للاجور الى 1200 جنيه مصري.

ما يكافح من اجله عمال المحلة ليس الكماليات بل العلاوات على الاجور التي يتم تحديدها بطريقة مهينة. فاجر الحد الادنى الاساسي حسب القانون لا يتعدى ال35 جنيه، وكل ما هو فوق ذلك عبارة عن علاوات ومحفزات والخ، متعلقة جميعها بقرارات ادارية او حكومية ولا يحصلها العمال بشكل تلقائي كجزء اساسي من اجرهم. ولكن يبدو ان نظام الاجور الغريب الذي أسّسه النظام المصري لفرض سيطرته واخضاع العمال له، هو الذي أوقعه في الفخ. فعندما تظاهر عمال المحلة الكبرى عام 2006 كان ذلك لانتزاع العلاوة والزيادة في بدل الوجبة، التي كان رئيس الوزراء قد وعد بها بعد ان حققت الشركة ارباحا جيدة. تهرُّب رئيس الوزراء من التزامه، حوّل النضال المحلي الى نضال قطري انتقل لمراكز صناعية اخرى تعاني اوضاعا مشابهة.

يروي الكتاب تسلسل الاضرابات العمالية التي تحقق مكاسب معينة في موقع بعد آخر، من انتزاع حق العمال وفرض شروطهم على الادارة وحتى على وزيرة القوى العاملة، وانتزاع الحق بالاضراب مع انه عمليا محرّم قانونيا، واثارة جو من التفاؤل والقوة في اوساط العمال. كل انجاز ولو بسيط في المحلة الكبرى تحول خلال ايام الى اساس لمطالب العمال في المصانع الاخرى، ولم تتمكن الحكومة من وقف زخم هذا الحراك القوي والطوفان الجديد.

حركة نقابية جديدة

يستنتج مؤلفو الكتاب من هذه التطورات الكبيرة عدة نقاط هامة (ص 47):
•اضراب غزل المحلة كان مثابة اعصار كسر الاسوار التي احاطت بحركة العمال وحالت دون تعبيرها عن مطالبها.

•انعكست حالة فزع النظام من اضرابات العمال على تصريحات رجاله، الذين حاولوا القاء اللوم مرة على الاخوان المسلمين، ومرة ثانية على منظمات حقوق الانسان، ومرة ثالثة على الذين استُبعدوا من انتخابات النقابات العمال تحت زعم تربصهم بالتنظيم النقابي، ومرة رابعة ادعوا ان هناك ايدي خفية تقف وراء الاضراب، واخيرا اعتراف وزيرة القوى العاملة بان للعمال مطالب حقيقية..

•المقاومة العمالية جاءت على ارضية معاناة حقيقية وحياة مليئة بالبؤس لدى العمال وذلك على خلفية ارتفاع الاسعار الجنوني، ويذكر الكتاب اربعة عمال انتحروا نتيجة اوضاعهم المأساوية.

•انضباط تحرك العمال النضالي وواقعية مطالبهم وقدرتهم على تقديم مطالب قابلة للتحقيق.

•المزاج العمالي العام المؤيد للعمال فضح الاتحاد العام لنقابات العمال الموالي للسلطة، والذي بنى نفوذه وقوته على تزوير نتائج الانتخابات وعلى تقديم الدعم لمواقف الحكومة. تصرف الاتحاد العام التقليدي المعارض للعمال ولنضالاتهم العفوية تبين في الحقبة الجديدة بانه غير منسجم مع الواقع، اذ انتهت اضرابات العمال بمكاسب حقيقية دون دعم الاتحاد، وفي حالات كثيرة رغم انفه.

وينتهي هذا الفصل من الكتاب بتقييم متفائل: "اذا كانت مطالب العمال الاساسية خلال هذه المقاومة قد اقتصرت على مطالب اقتصادية مباشرة وترتبط بمواقع عملها فقط ولم يتم تطويرها حتى الآن بمطالب اكثر عمقا واستدامة او بمطالب قومية وسياسية واجتماعية، فان ذلك يرتبط بآفاق تطور الحركة العمالية ذاتها. وربما تساعد هذه الاضرابات على خلق قيادات وتجمعات عمالية جديدة قادرة على تمثيل العمال وقيادة حركتها وفرض استقلاليتها، بعيدا عن ادارات الشركات والدولة والتنظيم العمالي الرسمي الموالي لها".

لا بد من القول ان الحركة العمالية الجديدة تستفيد من التجربة الغنية التي يجسدها العديد من الكوادر العمالية والشيوعية المصرية، من عمال المصانع والجهاز الحكومي والشركات الخاصة. وقد اصبح هؤلاء اليوم مؤطرين في منظمات مختلفة تشكل القيادة غير الرسمية لهذه الحركة.

انها الطبقة العاملة المصرية التي تلعب من جديد دور الطليعة في العالم العربي، وتنخرط بكل طاقاتها وروحها الاخلاقية في الحركة ضد العولمة الرأسمالية، وتشير بالتالي الى اللغة والاساليب النضالية التي توحد عمال العالم. ازاء الازمة الكونية الخطيرة الآتية لا محالة جراء انهيار البنوك الامريكية وارتفاع اسعار المواد الغذائية والنفط، لا بد ان تنشأ بوادر لقوة الطبقة العاملة الصناعية في المراكز الكبيرة، كبديل تقدمي وحيد يتحدث بلغة عالمية واحدة. بهذه اللغة بدأ عمال مصر يتحدثون.

كنشيطين في "جمعية معًا النقابية" والتي تؤطر طليعة الطبقة العاملة العربية واليهودية في اسرائيل، نرى في الكتاب والتجارب النقابية التي يوردها، باعثا على الروح النضالية ومدرسة جديدة من شأنها ان تلهم التيار العمالي الجديد في بلادنا، والذي لا بد ان يستيقظ من سباته العميق ليثبت وجوده في الساحة كما فعل عمال مصر الابطال. كل ما نحتاجه هو المزيد من هذه الكتب ومن هذه النضالات الباسلة لتبقى شعلة متقدة.

اضف تعليقًا

ادخل تعقيبك هنا.
طاقم تحرير المجلة سيقوم بقراءة تعقيبك ونشره في اسرع وقت.

الاسم

البريد الالكتروني

العنوان

موضوع التعقيب

تعليقك على الموضوع

Home نسخة للطباعة